تشكل الثقافة، باعتبارها كل التصورات والقيم والرموز، والتعبيرات والإبداعات والتطلعات التي تثبت هوية وحضارة كل مجموعة بشرية عن باقي الجماعات الأخرى، مكوناً أساسيا في بناء العلاقات الدولية، وإحقاق تواصل فعال يساهم في تطوير المنظومة الدولية، وخلق أفق أكثر نضجاً؛ يسمح بتعايش سلمي يستمد كينونته من الفهم العميق والمنفتح، والموضوعي لواقع التنوع الثقافي.
فالتنوع الثقافي شرط أساسي للإنسانية، وهو نتيجة حتمية لتعدد الحضارات وثقافاتها منذ أقدم العصور، مما يعني أن الحديث عن النمط الأحادي للثقافة يظل حديثاً بدون جدوى. وهو ما يؤكده محمد عابد الجابري بنفيه وجود ثقافة معولمة، فالعالم زاخر بالتنوع الثقافي، وأي محاولة تسعى إلى إلغاء الخصوصيات المحلية، وإحلال محلها خصوصيات كونية لا يمكن أن تدخل إلا في إطار المستحيل.
لذلك، يجب الإيمان في المجتمع الدولي أن العلاقات الدولية لا يمكن أن تقوم إلا من منظور التنوع الثقافي، وأن حوار الثقافات ضرورة إستراتيجية عالمية. تتطلب التكافؤ والمنافسة، والاعتقاد بحق الآخر في امتلاك خصوصيات تنسجم مع وضعه العقائدي، والاقتصادي، والسياسي، والمذهبي. والابتعاد عن الأحكام الجاهزة غير الخاضعة للتمحيص، بل ورفض كل دعوة عنصرية تستند إلى مفهوم التفوق الثقافي الذي يعطي للحوار شكلا عمودياً يجسد منطق المتفوِق والمتفوَق عليه”، والاعتماد على الحوار القائم على أسس الحجة والبرهان.
إن الدول التي لا تؤسس علاقاتها على مبدأ التنوع الثقافي، لا يمكن أن تكون دولا ديمقراطية في تصورها للعلاقات الدولية. وهو ما يسجله التاريخ اليوم؛ حيث تتأسس جل العلاقات الدولية على عنصرية التفوق، تفوق يُرْكب عليه من أجل السيطرة والهيمنة.
ويمكن أن نجسد، بشكل قوي، الفكر الأحادي، والرافض لخاصية التنوع في “ظاهرة العولمة” المفهوم الشبح الذي سيطر على الفكر المعاصر بمختلف توجهاته؛ لما يتضمنه من محو للخصوصيات الثقافية، واستفزاز كل الطاقات الفكرية الداعية إلى التشبث بالمميزات التي تجعل من الهوية هويات حقيقة، تمثل كل مجموعة بشرية في الكرة الأرضية.
إن العولمة بمظاهرها الهدامة للعلاقات الإنسانية تشكل، بدون مواربة، انزلاقا فعلياً لطمس الهويات الإنسانية، وإحلال هوية واحدة؛ هي الهوية الأمريكية. تقول مادلين أولبريت في هذا الإطار” إننا قادرون، بفضل طول قامتنا، أن نرى أبعد ن الأخرى”.
أمام هذا العرض المفرط للعضلات يصعب الحديث عن المساواة، والحق في العلاقات الدولية إلا من منظور قانون الغاب؛ حيث الضعيف لقمة سائغة في فم القوي، والإيمان بالتنوع الثقافي قول غير مرغوبٍ فيه. وهو ما تمثله العولمة من خلال نزع الملكية الثقافية، وفرض نمط آخر من صنع القوى العظمى؛ نمط يعبد الطري للممارسة الاستبداد الثقافي. وقد سخرت هذه القوى كل طاقاتها الفكرية، والاقتصادية، والإنسانية، واللوجيستيكية. إلا أن هذا الطرح، ورغم العمل المتواصل الذي تقوم به هذه الدول، يبدو بعيد المنال أو أنه مستحيل التحقق؛ لأن الإنسان حيوان التنوع الثقافي بطبعه.