حـوار الـثـقـافات ضرورة استراتسجية

ماي 11، 2008

تشكل الثقافة، باعتبارها كل التصورات والقيم والرموز، والتعبيرات والإبداعات والتطلعات التي تثبت هوية وحضارة كل مجموعة بشرية عن باقي الجماعات الأخرى، مكوناً أساسيا في بناء العلاقات الدولية، وإحقاق تواصل فعال يساهم في تطوير المنظومة الدولية، وخلق أفق أكثر نضجاً؛ يسمح بتعايش سلمي يستمد كينونته من الفهم العميق والمنفتح، والموضوعي لواقع التنوع الثقافي.

فالتنوع الثقافي شرط أساسي للإنسانية، وهو نتيجة حتمية لتعدد الحضارات وثقافاتها منذ أقدم العصور، مما يعني أن الحديث عن النمط الأحادي للثقافة يظل حديثاً بدون جدوى. وهو ما يؤكده محمد عابد الجابري بنفيه وجود ثقافة معولمة، فالعالم زاخر بالتنوع الثقافي، وأي محاولة تسعى إلى إلغاء الخصوصيات المحلية، وإحلال محلها خصوصيات كونية لا يمكن أن تدخل إلا في إطار المستحيل.

لذلك، يجب الإيمان في المجتمع الدولي أن العلاقات الدولية لا يمكن أن تقوم إلا من منظور التنوع الثقافي، وأن حوار الثقافات ضرورة إستراتيجية عالمية. تتطلب التكافؤ والمنافسة، والاعتقاد بحق الآخر في امتلاك خصوصيات تنسجم مع وضعه العقائدي، والاقتصادي، والسياسي، والمذهبي. والابتعاد عن الأحكام الجاهزة غير الخاضعة للتمحيص، بل ورفض كل دعوة عنصرية تستند إلى مفهوم التفوق الثقافي الذي يعطي للحوار شكلا عمودياً يجسد منطق المتفوِق والمتفوَق عليه”، والاعتماد على الحوار القائم على أسس الحجة والبرهان.

إن الدول التي لا تؤسس علاقاتها على مبدأ التنوع الثقافي، لا يمكن أن تكون دولا ديمقراطية في تصورها للعلاقات الدولية. وهو ما يسجله التاريخ اليوم؛ حيث تتأسس جل العلاقات الدولية على عنصرية التفوق، تفوق يُرْكب عليه من أجل السيطرة والهيمنة.

ويمكن أن نجسد، بشكل قوي، الفكر الأحادي، والرافض لخاصية التنوع في “ظاهرة العولمة” المفهوم الشبح الذي سيطر على الفكر المعاصر بمختلف توجهاته؛ لما يتضمنه من محو للخصوصيات الثقافية، واستفزاز كل الطاقات الفكرية الداعية إلى التشبث بالمميزات التي تجعل من الهوية هويات حقيقة، تمثل كل مجموعة بشرية في الكرة الأرضية.
إن العولمة بمظاهرها الهدامة للعلاقات الإنسانية تشكل، بدون مواربة، انزلاقا فعلياً لطمس الهويات الإنسانية، وإحلال هوية واحدة؛ هي الهوية الأمريكية. تقول مادلين أولبريت في هذا الإطار” إننا قادرون، بفضل طول قامتنا، أن نرى أبعد ن الأخرى”.

أمام هذا العرض المفرط للعضلات يصعب الحديث عن المساواة، والحق في العلاقات الدولية إلا من منظور قانون الغاب؛ حيث الضعيف لقمة سائغة في فم القوي، والإيمان بالتنوع الثقافي قول غير مرغوبٍ فيه. وهو ما تمثله العولمة من خلال نزع الملكية الثقافية، وفرض نمط آخر من صنع القوى العظمى؛ نمط يعبد الطري للممارسة الاستبداد الثقافي. وقد سخرت هذه القوى كل طاقاتها الفكرية، والاقتصادية، والإنسانية، واللوجيستيكية. إلا أن هذا الطرح، ورغم العمل المتواصل الذي تقوم به هذه الدول، يبدو بعيد المنال أو أنه مستحيل التحقق؛ لأن الإنسان حيوان التنوع الثقافي بطبعه.

ماي 11، 2008

الفن الأمريكي في معرض
بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك

محمد اغليمو
شكل المعرض الفني الذي نظمته كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك، جامعة الحسن الثاني، المحمدية، بتعاون مع معهد كاينزفيل، جامعة جورجيا، الولايات المتحدة الأمريكية، يوم الجمعة 31 أكتوبر 2008، فرصة حقيقة لانفتاح الطالب المغربي على الأعمال الفنية الأمريكية، و معرفة المستوى الذي وصلت إليه، والآليات الجديدة المستند إليها في الإبداع.
وقد جسدت اللوحات الفنية تقنيات التعبير الفني والرسم والتصوير والنحت والإلصاق والفن الرقمي؛ في قالب يتراوح بين التجريدي والواقعي مستلهماً مواضيعه من قضايا الإنسان اليومية والاجتماعية والسياسية ( جيمي كارتر: رئيس أمريكي سابق) بأسلوب فني متميز يستمد قوته من التفاعل القوي بين الألوان، وبوح الصور بمعانٍ لا تتجاوز، بالتعبير السيميائي، الدلالات الأولية في بساطتها، وأخرى تفتح أمام المتلقي شهية التأويل. وهو ما جعل عبد القادر كنكاي، نائب عميد الكلية في البحث العلمي، التأكيد على ضرورة نقل هذه التجربة إلى فضاءات أخرى ممثلة في معهدي الفنون الجميلة بكل من الدار البيضاء وتطوان لاستفادة أوسع.
وقد أكد عبد المجيد القدوري، عميد الكلية، في كلمة ألقاها بمناسبة افتتاح المعرض أن هذا اللقاء سابقة في تاريخ الكلية، وخطوة فعلية لمبادرات مماثلة في إطار المخطط التمهيدي لانطلاق معهد الفن ومهن الفن الذي سيعطي لهذه المؤسسة خصوصياتها الفريدة. وأضاف موليم العروسي، أستاذ الفلسفة والمتخصص في مجال الفن، أن هذه البادرة تجسد التعاون التربوي الفني بين كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك وجامعة جورجيا، أما الأعمال فتبين المستوى الذي وصل إليه الفنان التشكيلي الأمريكي، وهو المستوى الذي نجده أيضاً، عند الفنانيين المغاربة.
ويرى إبراهيم أزوغ، طالب باحث في الآداب والثقافة، أن المعرض ملتقى يجسد ارتباط كليات الآداب بالمغرب بجامعات أجنبية من حجم جامعة جورجيا الرائدة في مجال الفنون.أما محمد عيطونة، طالب بشعبة الدراسات الأمريكية، فأكد أن الأعمال المقدمة تتميز بجودة عالية اعتمدت على أدوات إبداعية مختلفة تبين التطور الحاصل في هذا المجال. في حين يعتبر نور الدين الخطابي، طالب بنفس الشعبة، هذا اللقاء الفني مبادرة طيبة للتعرف أكثر على الثقافة الأمريكية عن قرب.
هكذا، وقد حضر هذا اللقاء الفني، الذي سيتمر أسبوعاً، كل من القنصل الأمريكي ومديرة المركز الثقافي الامريكي(دار أمريكا)، وأساتذة وطلبة من مختلف التخصصات.

الخصائص العامة للمنهج البنيوي / محمد اغليمو

ماي 11، 2008

الخصائص العامة للمنهج البنيوي
اعداد: محمد اغليمو
arhlimou@hotmail.fr

تتحدد البنيوية باعتبارها منهجا تحليليا يقارب العمل الأدبي الإبداعي مقاربة خاصة تميزه عن باقي المناهج الأخرى، مثل المنهج الاجتماعي، والمنهج النفسي…إلخ. إذن ما هي البنيوية؟ وما هي خصائصها؟ وما يميزها عن باقي المناهج الأخرى المذكورة أعلاه؟

يسعى المنهج البنيوي دراسة النص الأدبي في ذاته ومن اجل ذاته، والتعامل معه بعيدا عن الإسقاطات الخارجية، مثل: علاقته بالواقع الاجتماعي، وأحوال المبدع النفسية، وارتباطاته الأيديولوجية. أنه منهج يرفض التطرق إلى هذه الجوانب، بل يعمل، وبصرامة، على تناول النص باعتباره بنية مستقلة. محددا النص الإبداعي (قصة – مسرح- شعر…)في شبكة من العلاقات الداخلية؛ بحيث يقوم المنهج البنيوي على كشفها.

إن الاكتفاء بدراسة النص الإبداعي في نظامه الداخلي، يجعل المحلل البنيوي لا يبحث عن معناه، أو ظروف إنتاجه، أو العوامل المؤثرة في تشكيله، أو لماذا جاء على هذا النحو، أو علاقته بغيره من الأعمال الأخرى لنفس الكاتب أو لسواه. لأن القيام بذلك يدخل في إطار التعليل والشرح والتفسير، وذلك انطلاقا من مسلمة أساسية مفادها أن الأدب مستقل تماما عن أي شيء إذ لا علاقة له بالحياة أو المجتمع أو الأفكار أو نفسية الأديب…إلخ. يتضح أن المدرسة البنيوية لا تعترف بالجوانب الذاتية و الاجتماعية، بل يعتبرون النص الأدبي مادة لغوية، ولذلك نجد رولان بارط يعرف القصة، مثلا، بأنها مجموعة من الجمل.

إن دراسة العمل الإبداعي بمنهج بنيوي يقتضي اعتماد المستويات النحوية والإيقاعية والأسلوبية، بالإضافة إلى اعتماد مختلف الخصائص داخل النص؛ مثلا: أعمال الشخصيات؛ إذا كان العمل قصة أو رواية. ويعتمد البنيوي لإبراز نظام النص البحث في التشابه، والتناظر، والتعارض، والتضاد، والتوازي، والتكرار، والتقابل بين الجوانب النحوية والإيقاعية…إلخ، مثال ذلك: تحليل المستوى الصوتي من خلال إظهار الوقف، والنبر، والتنغيم…إلخ. أما على المستوى التركيب فتتطرق إلى طول الجمل وقصرها، وعناصر التركيب مثل المبتدأ والخبر، ودراسة الروابط، وتحليل الألفاظ… إلخ.

منهجية القصة القصيرة للثانية ثانوي أدب/ محمد اغليمو

ماي 11، 2008

منهجية تحليل القصة القصيرة
اعداد: محمد اغليمو
1. المقدمة:

1.1. الخطوات المنهجية لتحليل القصة القصيرة:
1.1.1. الخطوة الأولى: (العتبات النصية)
تتطلب هذه الخطوة رصد مجموعة من المؤشرات الخارجية المرتبطة بالنص القصصي؛ وهي مؤشرات أساسية لفهم القصة وتحديد مسارها الإبداعي. ويمكن أن نحدد هذه العناصر فيما يلي:
- العنوان – الكاتب – المرجع – سنة الإصدار -
وتلعب هذه المؤشرات دورا جوهريا في رسم بعض الملامح الخاصة بالعمل الإبداعي القصصي المرغوب تحليله. فعندما نتعرف على حياة الكاتب، فإننا بذلك، سنتعرف على مجموعة من المعلومات التي تحدد لنا الاتجاه الإبداعي الذي انخرط فيه.مثلا، انتماء النص إلى القصة الخيالية أو الواقعية… إلخ.
بعد رصد العناصر الخارجية عن النص، يستوجب علينا تحديد الإشكالية التي ينبغي معالجتها في التحليل. وهي عبارة عن سؤال قد يكون عاما، أو خاصا، حسب رغبة المحلل. ويمكن طرح إشكالية كبرى تتفرع عنها مجموعة من الأسئلة الصغرى.
مثال:
ما هي مقومات هذا النص القصصي الفنية والتعبيرية المختلفة ( الجانب السردي، الجانب الوصفي، الجانب الحواري…)
ما هي حدود تمثيل النص القصصي ( للكاتب الفلاني )للخصائص الفنية والموضوعية للقصة القصيرة الحديثة؟
ما هي مظاهر تخلص الكاتب من قيود القصة التقليدية؟ وما هي مستويات نجاحه في ذلك؟
ما هي خصائص التجربة القصصية للكاتب، وما نتفرد به من أبعاد فنية وتصويرية محددة؟
2. العرض:
يُتطلب في هذه المرحلة الانطلاق بالمضمون العام للقصة، مع التركيز على المكونات التالية:
 الحدث:
ويتحدد الحدث بطرح السؤال ماذا ؟ أي ماذا حدث في القصة؟ والحدث هو الفعل الذي تدور حوله الحكاية، ويتألف من مجموعة من الوقائع الجزئية المرتبطة بعضها ببعض ارتباطا منظما.
 الشخصيات:
ترتبط الشخصيات بالسؤال من ؟ وهو سؤال لصيق بالشخصيات المحركة للأحداث، وقد تنقسم إلى شخصيات رئيسية وأخرى ثانوية. ويتم ترتيبها وتصنيفها ( شخصيات: إنسانية، أو حيوانية) من حيث طبيعتها، ومستوى أهمية أو قوة حضورها في النص القصصي.

 الزمن في القصة:
نرصد، دائما، زمن القصة من خلال السؤال متى؟ أي الزمن الذي وقعت فيه الأحداث؛ إلا أن الزمن ليس واحد، بل هو مجموعة من الأزمنة، وهي:
 الزمن الفلكي ( الليل- الصباح- الفجر- الظهيرة…)
 الزمن الفيزيقي ( الواحدة، العاشرة…)
 زمن الأفعال النحوي (الماضي، الحاضر، المضارع)
 المكان:
ونحدده انطلاقا من السؤال أين ؟ أي مكان وقوع الأحداث، والأماكن قد تكون مفتوحة ( بحر) أو مغلقة ( قسم).وتلعب دورا مهما في رسم ملامح القصة، حيث يتمكن الكاتب من إيهام المتلقي بواقعية الإحداث، وكذلك توظيفها حسب منطق لا يختلف عن الواقع اليومي.
 السرد:
ويتم البحث عن الأسلوب السردي الذي اعتمده القاص في تقديم أحداث القصة، حيث يمكن أن يقدم المتن المحكي بطريقة مباشرة، وذلك بجعله الشخصيات تدخل في حوار حي، أو بطريقة غير مباشرة من خلال قيام السارد بنقل الأحداث.والسرد نشاط زمني يبين كيفية إدراك السارد للوقائع والأحداث على خط زمني. ويتميز بالتداخل والتراكب والتقطع، وسنتحدث عن شكلين أساسين في السرد، وهما على النحو الآتي:
 السرد المتسلسل: ويكون فيه الحكي متدرجا؛ أي يتم تقديم الإحداث حسب السبق الزمني.

 السرد المتقطع: ويقدم فيه الحكي بعيدا عن احترام التسلسل المنطقي لوقوع الأحداث، فقد يبدأ القاص بآخر حدث، ثم ينتقل بعد ذلك للحديث عن حدث وقع في البداية؛ وذلك باعتماد آليات الاسترجاع، والحذف…
 السارد:
يتحدد هذا المكون من خلال الإجابة عن السؤال من يسرد الحكاية؟ وتتميز القصة، غالبا، بتوظيفها لمنظورين أساسيين هما:
 ضمير المتكلم؛ وذلك من خلال سارد حاضر في النص ( يكون السارد شخصية تشارك باقي الشخصيات).
 ضمير الغائب بواسطة سارد غائب عن الحكاية ( أدركت أن ما سمعته البارحة كله صدق) فالسارد موجود خارج الحكاية غير مشارك.
 السرد بضمير المخاطب: يوجه الخطاب إلى المخاطب على امتداد النص.

 الرؤية السردية:
تتحدد الرؤية السردية في مجال الحكي، عموما، في ثلاثة مظاهر مختلفة، وهي:
 الرؤية من الخلف؛ بحيث يعرف السارد أكثر مما تعرف الشخصيات.
 الرؤية المصاحبة ( مع )؛ بحيث تكون معرفة السارد مساوية لمعرفة الشخصيات.
 الرؤية من الخارج؛ بحيث تكون معرفة السارد اقل من معرفة الشخصيات.
 الوصف:
وهو وسيلة لتصوير والجوانب الزمانية والمكانية في الحكاية، بالإضافة إلى وصف الشخصيات وتحليل مواقفها وافكارها، ورصد خصائصها النفسية.وقد يفتح المجال للشخصيات للتعبير عن نفسها.
وينقسم الوصف إلى وصف مرتبط بالجانب الخِلقي ( الهيئة: اللباس، البنية الجسمية، لون الشعر…إلخ)، وآخر متعلق بالجانب الخُلقي ( أخلاق الشخصية: مؤمنة- طيبة- شريرة…).

 المغزى من القصة:
ويعتمد في كشف هذا المكون على السؤال لماذا؟ ويقصد به أن تحمل القصة في طياتها فكرة أو أفكار، مثل، وضعية الفقراء في المغرب، أو وضعية المرأة: تحرر المرأة، وضعية التعليم، أو أن يكون الهدف ترفيهي…إلخ.
للإشارة، لا بد من التطرق إلى الجوانب اللغوية الموجودة في النص القصصي، وغيره من المعطيات التي يمكن أن تساعد على تقديم تحليل عميق.
3. خاتمة:
يستوجب في هذه المرحلة الأخيرة من التحليل تقديم مختلف الخلاصات والنتائج، وربطها بالإشكالية المطروحة، مع تقديم الرأي.

الحديث عن الذات

ماي 11، 2008

 

الحديث عن الذات

 

لم يعد بوسع الذات الواعية الوقوف وراء أسوار الصمت الرهيبة، التي تنخر في محيط تسيجه سلطة الخرافة التي تجعل من الحديث عن الذات خطيئة، ومشروعا فاشلاً بلا حدود. وهو تصور خاطئ، وفاشل أيضاً بلا حدود، فعندما أتحدث عن الذات؛ فلا يعني إطلاق اللسان على عواهنه، ولكن ذلك يقتضي شروطاً لا بد من احترامها.

 

ومن هذا المنطلق،  إنني أحاول أن اقنع نفسي من أجل أن ترسمني بالكلمات كما أنا، أنا الحقيقي الذي يصدح بكثير من التقوى و العجيب والعصيان والتمرد.كل ذلك يستحيل رسمه خارج قانون الكلمات الذي سيقدمني للناس بحجمي الحقيقي.

 

لذلك،  فإنني أرى نفسي، عندما أزاول فعل الكتابة، إنسانا يعانقك الحياة في أسمى أشكالها، وأنني أحقق وجودي الحقيقي الذي يجعلني جديرا بأن أكون إنساناً.

 

ومن هنا، فإقصاء اللغو أمر حتمي، فلا يمكن أن أثبت وجودي من خلاله، بل قد يشكل ذلك خطراً فعلياً على الذات، فالحديث عنها لا يصبح حديثاً معقولاً إلا إذا اتصف بالاتزان. فلا يجدر بي أن أتحدث عن نفسي في الكليات، والمقاهي، والشوارع، والمساجد، والمدارس، دون مبالاة، أو أجبر الآخرين على سماع ما أقول عنوة، فالأمر ليس عاديا، فما سأقدمه ذاتي التي ليس لي سواها. لهذا، تجدني دائما أترصد الكلمات الصادقة والأوقات الملائمة والمناسبة لأقدمها في أجمل صورة.

 

في هذا المنحى، فإنني أتشبث أكثر من أي وقت مضى برأي مونتيني الذي يقول” إذا كان الناس يشتكون من أنني أتحدث كثيراً عن نفسي، فأنا أشتكي من كونهم لا يفكرون في أنفسهم قط”. وإنني أعتقد اعتقادا راسخا أن مونتيني لا يقدم نفسه للآخرين فقط، لتحقيق لذة اللغو، ولكنه عندما نضج فكره وتحقق من أهمية هذا الوجود، أدرك أيضا أهمية الحديث عن الذات باعتبارها أساس الوجود.

كلمات إلى …

ماي 11، 2008

 

كلمات إلى…

لم أكن اعتقد، قبل الإطلاع على كلماتك، أنك تمتلكين مهارة الحديث عن النفس، وكشف دواخلها المترامية بين الشعور الفياض اللامحدود، و الأسئلة المحرجة التي تثبت أنه لا يمكن أن نمارس الحياة إلا بوجود الآخر؛ هذا الآخر الذي تقف عليه حوائج كثيرة بإمكانها أن تحسم جزء مهما من مسارنا.

 

         لقد أعجبتني كلماتك كثيرا، تلك الكلمات التي تتماوج بين معانيها بعضاً من حقيقتك، والتي شكلت منعرجا حقيقيا للبوح بما يسكن الذات. لقد نسجت نفسك صورتك الحقيقية في قالب لغوي واضح يبين أنك تمتلكين الشجاعة الكافية للحديث عن أناتك، جاعلة الكتابة عن الآخر أمراً استثنائيا، وهو ما يؤكد أنك في مسار البحث عن الوعي الذاتي الذي يفضي إلى البحث عن الحياة الحقيقية.    

      

         إنني أدعوك للكتابة أكثر؛ حتى تزدادين اتزانا ودقة وجدارة بأنوثتك المتلألئة وسبر أعماقها الغامضة، ولتتمكني من النبض بسرعة تناسب قدرات شرايينك، ذلك أن الإبحار ضد تيار قدراتنا يؤدي، حتما، إلى الانحدار. لذا، فالكتابة فضيلة نستمد من خلالها كينونتنا المتغلغلة في قيود الواقع الذي يشكل، بالنسبة إلينا، أكبر فخ يحجزنا عن التحليق في عوالم الإبداع الذي يجعل من الذات موضوعا يستحق أن يعاد باستمرار.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.